أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
312
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الزمخشري : « كقوله : « هذا بَعْلِي شَيْخاً » في كونه مبتدأ وخبرا وحالا » . يعني أن « تِلْكَ » مبتدأ مشارا بها إلى ما بعدها ، و « الْقُرى » خبرها ، و « نَقُصُّ » حال ، أي : قاصين ، كقوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى « تِلْكَ الْقُرى » حتى يكون كلاما مفيدا ؟ قلت : هو مفيد ، ولكن بالصفة في قولك هو الرجل الكريم » . قلت : يعني أن الحال هنا لازمة ، ليفيد التريب ، كما تلزم الصفة في قولك : هو الرجل الكريم ، ألا ترى أنك لو اقتصرت على هو الرجل لم يكن مفيدا ، ويجوز أن تكون « الْقُرى » صفة ل « تِلْكَ » ، و « نَقُصُّ » الخبر ، ويجوز أن يكون « نَقُصُّ » خبرا بعد خبر . و « نَقُصُّ » يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال ، أي : قد قصصنا عليك من أنبائها ، ونحن نقص عليك أيضا بعض أنبائها ، ويجوز أن يكون عبر به عن الماضي ، أي : قد قصصنا عليك من أنبائها ، وأشير بالبعد تنبيها على بعد هلاكها ، وتقادمه على زمن الإخبار ، فهو من الغيب . وفي قوله : « الْقُرى » ب « أل » تعظيم ، كقوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ ، وقول الرسول - عليه الصلاة والسّلام - : « أولئك الملا من قريش » « 1 » ، وقول أمية : 2270 - تلك المكارم ، لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا « 2 » و « من » للتبعيض - كما تقدم - ، لأنه إنما قص عليه السّلام ما فيه عظة وانزجار ، دون غيرهما . قوله : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا الظاهر أن الضمائر كلها عائدة على أهل القرى . وقال يمان بن رئاب : « إن الضميرين الأولين لأهل القرى ، والضمير في « كَذَّبُوا » لأسلافهم . « وكذا جوزه ابن عطية أيضا ، أي : فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذّب به الآباء . وقد تقدم الكلام على لام الجحود ، وأن نفي الفعل معها أبلغ . و « ما » موصولة اسمية ، وعائدها محذوف ، لأنه منصوب متصل ، أي : بما كذّبوه . ولا يجوز أن يقدر به وإن كان الموصول مجرورا بالباء أيضا ، لاختلاف المتعلّق . وقال هنا : « بِما كَذَّبُوا » فلم يذكر متعلّق التكذيب ، وفي يونس ذكره ، فقال : « بما كذبوا به » ، والفرق أنه لما حذف في قوله : « وَلكِنْ كَذَّبُوا » استمر حذفه بعد ذلك ، وأما في يونس فقد أبرزه في قوله : « فَكَذَّبُوهُ . . . كَذَّبُوا بِآياتِنا » فناسب ذكره موافقة . قال معناه الكرماني . قوله : « كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ » أي : مثل ذلك الطبع على قلوب أهل القرى المنتفى عنهم الإيمان يطبع اللّه على قلوب الكفرة الجائين بعدهم . قوله : لِأَكْثَرِهِمْ . الظاهر أنه متعلّق بالوجدان ، كقولك : « ما وجدت له مالا » ، أي : ما صادفت له مالا ، ولا لقيته . الثاني : أن يكون حالا من « عَهْدٍ » ، لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلما قدم عليها نصب على الحال ، والأصل : وما وجدنا عهدا لأكثرهم ، وهذا ما لم يذكر أبو البقاء غيره ، وعلى هذين الوجهين ف « وجد » متعدية لواحد ، وهو « مِنْ عَهْدٍ » ، و « مِنْ » مزيدة فيه لوجود الشرطين : الثالث : أنه في محل نصب مفعولا ثانيا ل « وجد » ، إذ هي بمعنى علم ، والمفعول الأول هو « مِنْ عَهْدٍ » . وقد يترجح هذا بأن « وجد » الثانية علمية ، لا وجدانية بمعنى الإصابة ، وسيأتي دليل ذلك . فإذا تقرر هذا فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ، ومناسبة له . ومن يرجح الأول يقول : إن الأولى لمعنى ، والثانية لمعنى آخر . قوله :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 / 202 ) ، كتاب مناقب الأنصار ( 3854 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 52 ) ، ابن الشجري ( 1 / 170 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 104 ) .